وقت طويل ووحيد*

فتاةٌ في أواخر العشرين ، تقوم برقصةٍ بطيئة .. تتشابك ذراعاها في انحناءةٍ رشيقة فوق رأسها المنحني ، ولا يستفيقُ جفنها من إغفاءته إلا عند النغمة الصاخبة .. ذلك الملهى ليس معروفاً ، وروّاده ليسوا بالكثيرين .. ذلك الملهى ليسَ مميزاً عن أقرانه بشيء ، أبداً .. لكن الوقت – كلما دخله – تأخر هناك .. كان يماشي حركة الراقصة البطيئة ، واستغراق الحاضرين في السكون .. وأكواب الشراب تمكث أكثر من المعتاد في الهواء قبل أن تصلَ أفواه أصحابها .. حتى دخان السجائر ،…

وتغيبين

.. وتزداد المسافة ، ويزداد قلبي تمزقاً . على ضفةٍ أخرى ستصبحين ، وأنا أرى في كل موجةٍ لجّةً بعلوِ الجبال تمنعني عنك .. يالهذه الروح كم تكابد ، وكيف تقدر على الحياة وفيها من الجراحِ المميتة ألفُ ألف ؟ مدّي إليّ نسمةً باردةً من صوتك أتقوقع داخلها ، فلا ألقي بالاً لصحراءٍ شامتة ، تكويني .. ما عدت أرى .. فلا ظلٌ يرحمُ جفني ، ولا سرابٌ قادر على تزييف جنتي / أنتِ .. اذكريني في قلبك ، للحظة .. دعي صورتك تأتي ولو…

وقد تعبت

.. ولم أعتد حتى الآن ألم غيابِك . وهاهو يمنحني الآن مسافاتٍ أكبر من الابتعاد دون حساب ، ينوي قتلي لا محالة .. لمن تتركينني .. ؟ .. ومالي غيرَ دمعةٍ تكوي ، وقلبٍ يذوي ، وروحٍ في شتات . ولمَ الوجع يستحلني ، وكل المسافات متساوية إن كانت باتجاه البعد ؟ يا فضاءً لا ينتهي ، أضاق بك الحالُ لتسلبني همسةً من صوتها ، تطمئنني ؟ مالك ومالي ؟ مالك وزهرة قلبي الصغيرة ؟ يكفيني منك لؤماً أن تراها في أي لُجّةٍ مغيّبة ،…

خيانة كاملة

.. وكلما أوشكنا على اكتمال، نَقَضَ الظلامُ عهدَ النور. أوَ ليس لهذه الدروبِ من خروج؟ أوَ ليسَ لهذه النصوص المقدسّة من ذاكرةٍ مليئة بالنسيان؟ ما بالُ أقدارنا تأتي دوما مُحكمة من حولنا، في داخلنا.. ولكنها تأبى الكمال؟ يكتمل دربُ النور بالظلال، وكذا تكتملُ كلّ بيوت العنكبوت من حولنا بالثغرات.. وكذا تكتملُ حياتنا بالسقوط..! فما بالنا لا نعي خيانةَ الضوء، وإتقانَ الظلِّ لخيانته..؟ .. وكلما أوشكتُ على اكتمال، أصبحُ بشرا من جديد. ولأن الفخاخ لا تأتي إلا مموّهة، فإن الكمال يغدو دوما حلما في متناول اليد..…

غزل

.. ويواريني البعد ، فيستحلّ الشوق دماءنا . – أتراكَ تحسّ بقلبٍ ينبض بكَ دون العالمين ؟ تعال .. مدّ يدك ، أمسك بِه .. هدئ من روعِ نحيبه الوَجل ، دفئه بكفكَ ، بصوتكَ .. إذ كاد من الشوقِ ينفطر .. تقتلني هذه الجدران إذ لا تحمل صدى ضحكاتك ، يخنقني هذا الهواء القادم خالياً من رائحتك .. أغارُ عليكَ من الصحبِ أن يأخذوك ، أغار من قربهم منكَ ، من صوتكَ الذي يصلهم ويتركني في لجة الحرمان .. أغارُ عليكَ من عطرك إذ…

محمومٌ بكِ

.. وأغفو على أمل الحلم بِك ، وأصحو من فرط شوقي إليك . وما بين الحلم واليقظة فضاءاتٌ من حبٍ هائلٍ تتمدد باتساع مساحة الفقد التي تحيطني بعيداً عنكِ ، كصحراءٍ تغدو النجاة فيها ضرباً من المستحيل .. غارقٌ فيكِ أنا ، غارقٌ أبداً وما أبغي النجاة .. تفاجئُني قدرتي على استيعاب هذا الكم من الولهِ والشوقِ العارم ، يفاجئني أن لم يذهب عقلي بعد وأنا المجنون بكِ منذ الأزل ، يفاجئني .. أنّ نيران حاجتي إليكِ واشتياقي ولهفتي في كل لحظةٍ أقضيها بعيداً عنك…

وتغضبين – 2

.. وتغضبين ، فأعرف للمرة الأولى معنى الحزن ، معنى الأسى . لا زلتُ أذكر الأسماك التي أطعمناها سويّة وكأننا كنا هناك البارحة ، فهل تذكرين ؟ لا زلتُ أذكر الأميال التي قطعتها شارداً وكأنني فعلتها البارحة ، فهل تذكرين ؟ لا زلتُ أذكر الغربان السوداء التي سخرنا منها وكأننا رأيناها البارحة ، فهل تذكرين ؟ لا زال معطفي يتدثر بدفء جسدك ، ولا زال دفتري يحيى بدم قلمك ، ولا زال هاتفي يغفو ويصحو على صوتِك ، .. فهل تذكرين ؟ لا زلتُ أذكر…

أعطني يدكِ

.. وأركض وراء حلمي ، وأسقط . أعطني يدكِ ، لأنهض في وجه العاصفة .. زفيرهم بالرفض أرقدني ، وطريقهم تحملني نحو الغياب .. نحو غيابك .. أعطني يدكِ ، لأنهض في وجه العاصفة .. فأرضهم عطشى للضحايا ، ولا تشبع .. ورمالها تسكبُ الضياع فوق آثار أقدامك .. أعطني يدكِ ، لأنهض في وجه العاصفة .. فالأشجار هنا لا تقوى على الوقوف ، ويدي ممدودة كالغصن المكسور .. وراءك .. أعطني يدكِ ، لأنهض في وجه العاصفة .. دعي مراكب العزاء تنتظر ، فالوقت…

مطر

.. وتبكي مدينة الصحراء ، تبكي مدينتي . أصدق الدعوات للبكاء وأكثرها إغراءً ، هي البكاء .. لا أحد سينكره عليك مهما أجهشت ، لماذا .. والكل يشترك في العويل ؟ .. وهكذا كان . تدعوني سماؤنا اليوم لموسمٍ من الحنين طال انتظاره بعد الجفاف .. أتُرى عواطفنا هي الأخرى تتأثر بالصحراء .. ؟ أبكي على نفسي يا سيدتي ، يكادُ يقتلني حزني وخوفي على نفسي قبل أن يقتلني شوقي إليك .. ذلك التائه الذي يرغب في المغادرة ويجهل وجهته .. لمَ عليه أن يختار…

وتغضبين

.. وأستغيث من الصمتِ بالبكاء ، فيخونني دمعي . وصمتُ الدنيا في غيابك جبروتٌ كفيل بتحويل أكثر الأماكن ألفة وحميميّة إلى زنزانةٍ من الوَحشة .. إلى خواءٍ يتمدد من حولي ويرتدّ صداه في داخلي .. فألفظه سعالاً مستمرّاً دونما رأفة ، كأنما الهواء ما عاد يجدُ موضع قدم ، داخل رئتي .. تتشنّج أعصابي كلها وتتقلص عضلات صدري الواهنة ، ويجد الألم المريع طريقه إلى رأسي مباشرةً فأوشك على قيء أحشائي .. حتى يغمرني الدوار .. كأن السعال اللعين يدرك تماماً أنكِ لستِ هنا لتقلقي…