أنتِ الدهشة

بحثت لأيامٍ طوال ، إن لم تكن سنين ، عن دهشةٍ تملؤني ..
عن دهشةٍ جديدة ، عن مفاجأةٍ تغتال معرفتي بكل شيء ..

عن أسطورةٍ لم أسمع بها قبلاً ، أسطورة لم يعرفها أسلافي .. أسطورة لي وحدي بكل أسرارها السحريّة وغموضها القديم بتاريخه ، الحديث بصموده أمام حيل العرّافين ..
اعتقدتُ بقدرتي على تحويل كل البحار إلى شواطئ آمنة ليس فيها من مجهولٍ يخافه الناس ويعشقه المغامرون من البحارة .. وآمنت بتجربتي التي عرفت الأولَ من كل شيء ، حتى صارت الدنيا بأكملها مشاهد متكررة تحفظها ذاكرتي كفلمٍ قديم ..

ضاقت بي كل صفحات الكتب ، حتى أصبحتُ أنا مرجعي في كل جديد يأتي محاولاً إغراء تساؤلاتي الصائمة منذ دهورٍ طويلة .. وما ألبث أن أفضح زيفه وقِدَمَه ..
وغدا كل هذا الكون لا يساوي شيئاً أمام ملكوت الموت وعظمته وسرّه الصغير ..

عندها كنتِ أنتِ ، العائدة من الصفحات المقروءة منذ أمد ، بكل رتابة النساء وتشابههنّ وإن اختلفوا ، وبكل عاديّة البشر .. كنتِ تعلنين موقفك الرافض للاستسلام ، وتحدّيك لكل تجارب الإنسان فيّ ، وتاريخه الممتدّ باتّساع الحضارات والأمم المتعاقبة ..

تأتين مشهرةً نيّتكِ الواضحة في إدهاشي ، في اعتلائكِ منزلةً لا تدنو منزلة الموت بدرجة .. بل تصرّحين في غوايتكِ ، في تعرّيك من الزيف والإلباس ، وخروجكِ من خارطة الإناث التي عرفتها وحفظت كل دروبها ..

تأتين من اللامكان ، تأتين من قبل بداية الأزمان ، وتحملين نهايةً أخرى في كفيكِ الصغيرتين .. تقولين: هاكَ ، لأجلكَ وحدك تُفتح كل الأبواب .. فأخبرني أي جنةٍ وأي جحيمٍ تختبئ خلفها إن كنتَ من العارفين ..
وتمتلئ روحي الفارغة دونما حسبانٍ بكِ ، تتدفقين دونما استئذان .. تغرقينني بكِ كغيمةٍ عرفت طريقها تماماً إلى منتصف الصحراء ثم أمطرت بلا هوادة .. تلِجين إلى أصغر خليّةٍ فيّ ، وتمتطين نبض دمي حتى أدمنكِ ..

يا سيدة الدهشة ، يا حفيدة إليسار وحوّاء وعشتار .. يا مليكة الأزمان الخالية والتالية ، أيّة ديانةٍ تلك التي تأتين بها فحملتني على الكفر بي .. وأيّة موسيقى تلك التي راودتني عن كل ما عزفته سلالة البشر .. وأيّة فتنةٍ تلك التي أعمت عينيْ عقلي .. ؟
أيّ سحرٍ ذاك الذي أحالني إلى طفلٍ يخشى المجهول ، يخافُهُ كليلٍ بهيمٍ بلا قمر .. أحالني إلى إنسانٍ يخافكِ أكثر من حتفه .. ؟

تعودين من خلفِ الأبواب الموصدة ، بانسياب الماء .. تعودين لتسقي كل منابع الخوف الجافة في روحي ، فأعود أخشى الوحدة ، أخشى الألم ، وأخشى حاجتي إليكِ ..

تجتاحني الحيرة ، والمتعة ..
وحتى حين ، لا أملك الجواب .

أضف تعليقاً